تخطى إلى المحتوى

أسهل من الشرف مفيش!

وها هو عام يمر على ثورة الخامس والعشرين من يناير ..
واذا كنت ممن قررو النزول للشارع للتذكير بأهداف الثورة والاحتجاج على عدم تحقُق معظمها حتى الآن، أو ممن سيتبادلون التهانى والبرقيات ويطلقون العاب نارية أو عروض جوية ويرغبون فى الاحتفال بالثورة على طريقة “يا نجاتى اُنفخ البلالين علشان عيد الميلاد”، أو كنت واحد من مواطنى مصر الشرفاء الذين قد يقع ذلك المقال فى أيديهم باعتباره “اهو ده اللى خدناه من الثورة” .. ففى جميع الحالات نحتاج وبشدة الى أن يتوقف البعض لحظة لحساب النفس وإعادة التفكير فى معايير تقييمه للآخر وأساليب انتقاده فى حالة الاختلاف معه فى الرأى أو التوجه.
..

إذا نشب خلاف حاد فى الرأى بينك وبين شخص ما، فمحصلة استمرار إختلافكم لن تكون فى الأغلب سوى واحدة من اثنتين: إما أن يستمر الاختلاف بما لا يُحول دون احترام متبادل، أو أن تُكشرعن أنياب سامة لتبدأ فى نهش جسده ..
والأنياب السامة ونهش الجسد والعرض بالنسبة للبعض هما أدوات مشروعة لمواجهة الاختلاف فى الرأى أو للتصدى لفكر مغاير أو لإحباط وجهة نظر مَغضوب عليها .. وثورة الخامس والعشرين من يناير فى نظر فئة من أهل مصر للأسف ما هى سوى ذلك الرأى المختلف والفكر المغاير ووجهة النظر المغضوب عليها، وبذلك يستحق حامليها أن تُنهش أجسادهم وأعراضهم!
..

منذ اليوم الأول للثورة لجأ النظام السابق لكافة الطرق لإخمادها بداية من القتل مرورا بالتخوين واتهامات العمالة وصولا للتشكيك بكل بساطة ويسر فى الشرف .. فالمساس بالشرف أصبح أداة اضافية لتصفية الثوار والمتظاهرين!
..

“طبل، وزمر، ورقص، وبنات، وشباب، ومخدرات، وعلاقات جنسية كاملة” .. هكذا وصف “طلعت زكريا” الوضع بميدان التحرير فى شهر يناير الماضى ليفتح المزاد على شرف المتظاهرين!

و خلال أحداث فض اعتصام ميدان التحرير فى التاسع من شهر مارس الماضى، اتهم النشطاء الجيش بإجراء كشوف عذرية على بعض المتظاهرات. إجراء تلك الكشوف أوحى وكأن شرف وعرض المُشاركات فى التظاهرات والاعتصامات فى مصر قد أصبح معيار لتقييم ثورة شعبية خرج فيها ملايين المصريين!
“سميرة ابراهيم” هى الوحيدة ممن تعرضن لكشوف العذرية التى بادرت برفع دعوى قضائية قررت محكمة القضاء الإداري بمجلس الدولة فيها بإلزام المجلس الأعلى للقوات المسلحة بعدم توقيع أي كشوف طبية على عذرية الفتيات ممن يُحتجزن بمعرفة ضباط وجنود القوات المسلحة سواء داخل الثكنات أو داخل السجون العسكرية.

ومما لا يقل إثارة للدهشة عن كشوف العذرية نفسها هو ما تعرضت له سميرة ابراهيم من هجوم واتهامات قاسية من عدد من زوار المواقع الاخبارية واليوتيوب، والذين سمحو لأنفسهم بالتشكيك فى عفة سميرة لمجرد رفضهم لفكرة رفعها لتلك الدعوة القضائية على المجلس العسكرى!

واذا كانت سميرة ابراهيم قد تعرضت لهجوم شديد، فإن ما تعرضت له فتاة أحداث مجلس الوزراء فى السابع عشر من شهر ديسمبر الماضى يُعد جريمة بكل ما تحمله الكلمة من معانى .. ولا أقصد هنا ما تعرضت له الفتاة من ضرب وسحل واهانة فقط، وانما استباحة البعض الخوض بدم بارد فى عرضها!

بمجرد انتشار فيديو وصور سحل الفتاة على الانترنت بدأ المشاهدين والقراء فى التعليق. والتعليقات لم تقتصر على مواقع الانترنت، بل امتدت لتصل الى مداخلات هاتفية فى عدد من البرامج التليفزيونية .. واذا افترضنا ان تلك المكالمات لم تكن بتخطيط مُسبق من مُعدى تلك البرامج، إذن فالمصيبة هنا أكبر .. جاءت تلك التعليقات مُوجعة للقلب على رحمة قد انعدمت من قلوب البعض!

اعتادنا التجاوزات والسقطات من توفيق عكاشة، لكنه قد تفوق على نفسه تلك المرة .. فهو أولاً قد أفتى بفبركة مقطع الفيديو الخاص بواقعة السحل، لينهش ثانياً بتعليقاتهِ الساخرة والمتجاوزة لكافة حدود الأدب واللياقة جسد وعرض تلك الفتاة!

الحديث عن توفيق عكاشة لا ينفى أسماء آخرى فى عالم الإعلام التليفزيونى أوحت من خلال تعليقاتها الشخصية أو من خلال ما جاء على لسان ضيوفها فى الاستديو بسوء آخلاق الفتاة مُتناسيين ما تعرضت له من جريمة، وضاربين بعرض الحائط كافة الخطوط الحمراء، ومرتكبين لجريمة “قذف المُحصنات”.

ولم يكتفى هؤلاء بالهجوم على الفتاة فقط، بل امتدت السخرية حتى تطول من دافع عنها أو أدان ما تعرضت له!
ها هو خالد عبد الله يتهكم على د/ محمد البرادعى حين علق على واقعة سحل الفتاة مخاطبا العسكر قائلا :الا تخجلون من تجريد الفتيات من ملابسهن، بجملته الشهيرة ” يا واد يا مؤمن!”

والشئ بالشئ يُذكر .. فالبرادعى كان أول ضحايا سلاح التشكيك فى الشرف لتصفية المعارضين حين نشرت بعض الصحف والمواقع صوراً لأسرته وابنته فى ذروة الحديث عن إحتمال منافسة محمد البرادعى على رئاسة الجمهورية قبل ثورة يناير، وفى خضم المعركة التى خاضتها الجمعية الوطنية للتغيير حينذاك والتى كان يرأسها هو. لم يكن هناك أسهل من الدفع بكارت “بكينى” ابنة البرادعى لتصفية الرجل سياسيا!

واستكمالا لمسلسل “قذف المحصنات”، يتهم المدعو “عبد العزيز فهمى عبد العزيز” – مُقدم البلاغ الشهير مع الصحفية “حنان خواسك” ضد الناشط “علاء عبد الفتاح”، وشاهد الإثبات ضده أيضا – يتهم دكتورة/ غادة كمال الناشطة السياسية وعضوات حركة 6 ابريل بسوء السير والسلوك قائلا “بيباتوا فى الخيم مع الرجالة طول النهار والليل .. ماهيش عايزة ذكاء”.

وحتى الشهداء لم يسلمو من لسان الرجل .. فقد طالت اتهاماته شهيد الأزهر الشيخ عماد عفت مدير إدارة الحساب الشرعي بدار الإفتاء المصرية وعضو لجنة الفتوى رحمه الله تعالى!

ويمكن ضم الصحفية نوارة نجم لقائمة الضحايا بعد الاعتداء عليها مؤخرا بالضرب والسب والقذف فى الشارع .. ولعل آحد ملامح الكوميديا السوداء للمشهد هو اقتراح رجل من المعارضين لنوارة ب “إن النسوان هى اللى تضربها مش احنا”!

نعم قد يثير قراءة تلك الأحداث مُجمعة الغضبَ، وقد يؤدى للإصابة بالاكتئاب ايضا، لكنها حقيقة يجب مواجهتها. فقد عشنا سنوات طويلة فى ظل نظام فاسد إنحطت فى عهده أخلاق البعض، وضعفت قيمة احترام الآخر .. اى آخر .. فطالما أنه يختلف معى فقد أصبح مجرد أخر يستحق السحق!
فإن كنا نرغب فى استكمال ثورتنا والتطهر من فساد أصابنا جميعا بشكل أو بآخر، فعلينا أن نقرر أى المنهجين سنختار:
أن نختلف .. نتناقش .. يحتد النقاش .. نتفق فى النهاية على الاختلاف .. يحترم كل منا الآخر .. ويسير كل منا فى حال سبيله؟
أم أن نختلف .. نعلن الحرب .. نستعد للهجوم بلا رحمة .. نعقد العزم على تحطيم الخصم لاختلافه مع أفكارنا وتوجهاتنا .. وننتزع من أنفسنا معالم انسانيتنا!

دينا البسنلى.

انت معانا، ولا مع الناس التانيين؟

“انت معانا، ولا مع الناس التانيين؟” .. 

سؤال ضمنى قد تشعر به موجها لك إن رفضت حديث عدد ممن يطلقون على أنفسهم لقب “إسلاميين” وحديث المدافعين عنهم، وهو اللقب الذى يُعد بالتأكيد أقل بكثير مما يستحقونه من أوصاف اخرى عظيمة مثل “ممثلو الدين” أو “حاملو راية الدين” أو “المتحدثون الرسميون بإسم الدين” أو “المدافعون الحصريون عن الدين”.

وأمام كل تلك الألقاب الحصينة بإسم الدين، بالطبع انت لا تملك للإجابة على تساؤل “انت معانا، ولا مع الناس التانيين؟” سوى الإجابة ب: انا معاكم يا كبير، والنعمة معاكم .. فمن منا بطبيعة الحال يستطيع الاعتراض على إحياء كلمة الله وتطبيق شرعه فى الأرض .. لكن سيدى ممثل الدين والحامل لرايته والمتحدث الرسمى والمدافع الحصرى عنه، هل تنوى حقا – والنية لله – إحياء كلمة الله وتطبيق شرعه فى الأرض لوجه الله؟ وهل أنت مؤهل حقا لأداء ذلك الدور العظيم؟

سيدى ممثل الدين والحامل لرايته والمتحدث الرسمى والمدافع الحصرى عنه .. أَعلم حجم انشغالكم بالتخطيط لمستقبل الوطن بتلك المرحلة الحساسة التى تمر بها مصرنا العزيزة قبل معركة انتخابية لنفترض انك ستخوضها بمعزل عن اية مكاسب خاصة قد تسعى لتحقيقها كما يقول الحاقدون .. اعذر من يشك في نواياك فهو مواطن قد دفعه رفعك لأعلام واسماء دول غير مؤيدة لثورة بلاده للشك، وشعاراتك المطالبة بتطبيق الشريعة الاسلامية فى دولة هى اسلامية بالاساس أثارت لديه التعجب،  وتسبب تكفيرك المستمر لمعارضيك فى إحساسه بضيق الصدر، ولوغارتمات انسحابك وانضمامك  لقوى سياسية اخرى بما يحافظ بالاساس على مصالحك أصابته بالإرتياب .. فاسمح له بالتعبير عن خوفه أو حتى قلقه على الأقل دون أن يجد نفسه متهما  بمخالفة شرع الله لمجرد الاختلاف معك.

وحتى لا توجه الى أنا الاخرى نفس التهمة  لا سمح الله، ها أنا أحاول ان أجادل بالتى هى أحسن ..

لقد قضيت أسابيع كاملة أجمع التصريحات التاريخية الجهنمية  لممثلى التيارات الاسلامية عبر وسائل الاعلام الى أن اصابتنى التخمة والحمد لله، ولأنى اعلم جيدا حجم انشغالكم كما ذكرت من قبل فاكتفيت بذكر بعض الأقوال دون غيرها لما اتسمت به من إبداع يفوق الخيال ..

أول القصيدة كفر.  وجدى غنيم المحكوم عليه بقضية التنظيم الدولى للاخوان والمقيم حاليا فى قطر يعتبر الديمقراطية والأسس الخاصة بها كفر .. نعم كفر واليعوذ بالله!  سيدى القائد الهُمام، بالراحة علينا شوية .. صحيح أن مصطلح “الديمقراطية” لم يُذكر فى كتاب الله، لكن هل ينفى ذلك دعوة الاسلام الى ما تدعوا له الديمقراطية من قيم، فضلا عن أن الكفر لا يكون الا بالعزم والإصرار فى القلب .. ثم أنك تتهم مجموعة من “الناس الوحشين” بالكفر لأنهم يدعون الى تطبيق الديمقراطية .. انت بالتأكيد تعلم أنك لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك .. والم تفكر يوما بأن تعفُ عنهم وتستغفر لهم وتشاورهم فى الأمر وفقا لما جاء بكتاب الله الذى تحتكرو انتم وحدكم تمثيله !

كان ذلك تصريح احد القادة .. أما عن الجماعة نفسها فقد وُجهت لأعضائها أصابع الاتهام بتمزيق لافتات التأييد لدكتور عبد المنعم ابو الفتوح احد مرشحى الرئاسة والإعتداء بالضرب على أعضاء حملته الانتخابية بنهاية شهراغسطس الماضى لمخالفته الجماعة فى الرأى والموقف من الانتخابات الرئاسية .. بعيدا عن الديمقراطية وما ترتبط به من حرية لا يوحى ذلك الفعل بإحترامها للأسف،  بالتأكيد أنتم تعلمون بقول الله تعالى “لكم دينكم ولى دينى” .. إن كان ذلك القول الكريم بما يحققه من حرية فى الاختيار قد جاء فيما يتعلق بالإختلاف حول عبادة الله وإعتناق دينه، فما بالك اذن بالإختلاف فى وجهات النظر فى شئون السياسة والتى هى أدنى شأنا!

ووفقا لما جاء بأخبار نُشرت بجريدتى الاهرام  وروزاليوسف بشهر اغسطس الماضى فقد طالب اثنان من قيادات الاخوان المسلمين بمنع السائحين من ارتداء المايوهات وإصدار فتوى من الأزهر لحسم مسألة إرتداء المايوه البكينى على الشواطئ العامة. الم ينتبه اصحاب هذة الدعوة الى أن الفقراء ومصابى السرطان وسكان العشوائيات والبلطجية وحتى الفلول ذاتهم عددهم أكبر بكثير من عدد مرتديات المايوه البكينى على الشواطئ العامة فى مصر! اين هو فقه الأولويات يا سادتى فى حساباتكم؟ .. وبالنسبة للسياحة والتى هى مصدر اساسى للدخل فى مصر، عندما يكتب الله لها ان تعود مرة اخرى لبلادنا بما تحمله لنا من فتيات وسيدات يرتدون المايوه البكينى، إبدأو حينها فى البحث عن خير الأساليب لضربها كما يحلو لكم .. لكن نصيحة من اخت يعنى، انتظروا فقط حين عودتها اولا عقب تصريحاتكم العظيمة ثم فكروا فى طردها بعد ذلك.

وعلى  ذكر السياحة، لا ننسى وصف الداعية عبد المنعم الشحات المتحدث بإسم الدعوة السلفية للحضارة المصرية بأنها حضارة عفنة! .. كان الصحفى الكبير أحمد بهجت قد قال بكتابه  ذي الأكثر من ثلاثين طبعة حتى الان “انبياء الله”: “أن قوم فرعون كانوا اهل علوم ورياضة وطبيعة وفلك، وكانوا سادة عصرهم فى العلوم والسحر .. ولهذا اعطى الله تعالى موسى عليه السلام معجزات تتفوق على العلم والسحر”. فرعون مصر لم يعبد الله تعالى بالفعل للأسف الشديد، لكن ذلك لا ينفى حقيقة تفوق المصريين القدماء فى العلوم .. اذن فلا تأتوا انتم لتنعتوا حضارتنا بالعفن فى أكثر الأوقات التى لابد ان نأخذ فيها بالعلم كما أخذ به القدماء منا .. مع التأكيد على ضرورة أن يعتز المصرى بنفسه ليعمل من أجل صلاح شأن مصر بعد عقود متتالية من الفساد.

أما جائزة الابداع الاكثر والاشد بريقا فيستحقها تصريح محمود عامر رئيس جماعة انصار السنة المحمدية فى دمنهور بعدم إعترافه بوجود ثورة فى مصر اصلا من الناحية الشرعية، فضلا عن تصنيفه لكلام بعض المرشحين المُتوقعين للرئاسة وفقا لمقياس الشرع ب “الزندقة”! وهنا بالتحديد لا أجد سوى ذكر قول الامام الشافعى “اذا ذَكرت لكم ما لم تقبله عقولكم فلا تقبلوه، فان العقل مُضطرا الى قبول الحق” .. فلا تقلق يا شيخنا، فعقول الناس لن تقبل فى النهاية سوى الحق، والذى اخشى انك على ما يبدوا قد ابتعدت قليلا عنه هنا، والله اعلم ..

ايها السادة ممثلين الدين  والحاملين لرايته  والمتحدثين الرسميين بإسمه  والمدافعين الحصريين عنه .. قبل أن تباركوا كل من يعلن انه “معاكم”،  وقبل ان تبدأو بشن هجومكم على مؤيدى “الناس التانيين” .. لابد من توضيح حقيقة بسيطة وهى أن فى الاسلام لا يوجد مايعرف بمن هو “معاكم”  ومن هو “مع الناس التانيين”. الإسلام واحد وكتاب الله واحد وسنة رسوله واحدة.

أنتم تحملون  شعار “الشعب يريد تطبيق شرع الله” وتحثون الآخرين على ترديده .. لن أتجسس على ما يحمله القلب وما تبطنه النية، ولكن إن كنتم تريدون خيرا لذلك الوطن فأولى بكم أن تشرحوا اولا للبسطاء ولغير العارفين ماهية شرع الله عن حق، وأن تتصدوا بكل حزم لكل من يظلمون دينهم ويسيئون له بأقوالهم وأفعالهم خلف ستار الدين  ولمُدعى الأسلمة ممن ينون العزم ويرسخون الجهود للحفاظ على مظاهر الدين فقط دون أدنى وعى وإدراك صحيح ودقيق للقيم والمبادئ والأخلاقيات والتى نعانى من غياب ملحوظ للكثير منها  فى معاملتنا و حياتنا ..

خير لنا جمعيا أن نسعى الى تجنب السقوط بديننا فى هوة التلوث والإنحلال .. فكما قال المفكر جلال امين بواحد من كتبه  “حتى أكثر الايديولوجيات نقاء وطهرا قد أصابتها فى التطبيق عناصر التلوث والإنحلال”.

دينا البسنلى.

سبتمبر 2011

متُدين بالوراثة، وبصل فى الخباثة!

بدون مقدمات تخيل إحتفال مهيب ..

هيا تخيل معى إحتفال مهيب ..

أطلق لخيالك العنان، فسترى حينها زينة معلقة بكل مكان، وزهور مصفوفة متعددة الألوان .. حضور ضخم، و حرس خاص .. مارشات عسكرية و قرآن .. ثم تصفيق حاد ..

و ها أنت تصعد بثبات درجات السُلم المؤدى الى خشبة المسرح متأهبا لمراسم التتويج .. فاليوم تمنح الجماهير الغفيرة سيادتكم المرتبة المنشودة والدرجة الرفيعة ..

فأخيرا وبعد مجهود حثيث ومتواصل من طرف معاليك، ونزولا على رغبة الجماهير ستُمنح اللقب المُقدس .. لقب “مُتدين”!

..

و تحسبا لتعليق المشانق، وقبل أن يتزود البعض بالحجارة أو حتى بالشباشب، اُطالب بإعطائى فرصة للتوضيح ..

سيدى القاضى .. حضرات المستشارين ..

من المفترض أن التدين هو طريق يسلكه المرء رغبة فى إرضاء الخالق، الا أن الأية تنقلب أحيانا لدى البعض فيتحول التدين لأداة من أجل إرضاء الخلق كواحد من التطبيقات العملية لمنهج من برا هالا هالا ومن جوا يعلم الله.

ويبقى قرار التدين من عدمه والدوافع الحقيقية المستخبية ورائه هى مسائل ترجع الى صاحبها، ومن تدخل فيما لا يعنيه سمع ما لا يرضيه، وتجنبا لرائحتها لن أتدخل بين البصلة وقشرتها .. لكن عندما يدعى المرء التدين مُحصنا فقط ببعض مظاهره ويبدأ فى شن هجوم على كل من لا يتبع ذات المذهب القائم على تقديس المظهر، أو عندما يتناقض سلوك الفرد مع ما يدعيه من تدين، فحينها أستئذنكم فى الحديث .. فمن ذا الذى تفضل وأفتى بأن المُتدين ليس سوى لحية، وسبحة، وشوية حاجات فوق بعض!

قد لا يفلت من يده السبحة .. عظيم، لكنه للأسف لا يغض البصر!

ترتدي الحجاب .. أحسنت، لكن لسانها لا يكف عن ذكر مساوئ الآخرين!

نراه يقوم للوضوء من أجل الصلاة خمسة مرات باليوم الواحد .. بارك الله فيه، لكنه لا يؤدى عمله بضمير!

مع احترامى لهؤلاء فعلى ما يبدو لى انهم قد اختارو من الدين مظهره فقط، لكن عموما الله اعلم بالنيات، ومن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره .. لكن بالرغم من إلتزام الكثيرين بسياسة عدم التدخل بالشئون الداخلية للبصلة وقشرتها، فإن رائحتها هى التى لا تتوقف عن مطاردتهم ولا تتركهم فى حالهم .. فهم من لا يُغَض البصرعنهم، وهم من يتسلى أشباه المتدينين بذكر مساوئهم، وهم أيضا من يتأذون لعدم أداء هؤلاء لعملهم بضمير!

غريب أمر تلك البصلة .. ربما مزيد من الخيال قد يساعد على فهم سلوكها، بل والأهم فهم الأسباب وراء تصديق البعض لها وتشجيعها ..

قد تساعدنا على فهم تلك الأيدلوجية البصلاوية العودة للقول الشائع بأن المصريين شعب مُتدين بطبعه .. للأسف لم يحتفظ الأستاذ صاحب ذلك القول المأثور بتلك المعلومة لنفسه، فمن الواضح أن البعض اكتفى بوراثة التدين من خلال ما يحمله من جينات مُبارَكة، وبالتالى لا يبزل أى جهد ليس من أجل التدين، وإنما حتى لمجرد إدراك القيم الحقيقية لما يعتنقه من دين.

ثم تاتى “فلسفة كل اللى يعجبك والبس اللى يعجب الناس” المتوارثة عبر الأجيال لإتمام المهمة بنجاح،  حيث يتخير أشباه المتدينين من الدين ما يستطيعون هضمه، وسعيا لنيل إعجاب الجماهير يرتضون بالتدين زيا لإرتدائه .. وهكذا يحظون بإعجاب الملايين.

وانطلاقا من كون الوراثة هى التيار السائد مؤخرا، موسم يعنى كل سنة وانتم طيبين، فالشئ بالشئ يُذكر .. فيا حضرات القارئين مسلمين كنتم أو مسيحيين فى كلتا الحالتين فقد ورثتم فى الأغلب هذا الدين أو ذاك عن أبائكم، ولا يوجد بالتأكيد ما يعيب ذلك، لكن المشكلة حين تقتصر مهمتنا على إستلام التركة وفقط، وبالتالى يقتصر دورنا فيما بعد على إقامة شعائر دون فهم وتطبيق للقيم والمبادئ، بما يساهم فى تحول الدين الى مجرد معيارا للتصنيف و تحول التدين للقبا للتمييز .. وهو ما يتفق فى النهاية مع مصلحة البصل العليا.

وهكذا عندما يكون لقب “مُتدين” هو المُراد وحينما يصبح إرضاء الخلق وليس إرضاء الخالق هو المُبتغى،  توقع اذن أن يتسبب البصل برائحته فى مزيد من الإحتقان والدموع الساخنة .. طالما يتبع البعض تلك الإستراتيجية القائمة على التدين بالوراثة  والبصل فى الخباثة!

دينا البسنلى.

للساذجين فقط.

إنه فراغ، لكنه ليس كفراغ خلو دنيانا بما يُشغلها، فنحاول بالتالى أن نُلهي كليهما دنيانا و فراغها بقراءة كتاب أو رواية أو ديوان شعر .. و هو ليس فراغ من ذلك الصنف الذى يكفى الدردشة اوالحديث مع صديق للتخلص منه ..

كنت على يقين تام بأن الدنيا تقوم على لونين .. الأبيض و الأسود، ليس فقط لإسلوب تربية يدفعك نحو كل ما هو أبيض حيث أن صلاحنا لن يكتمل سوى بالإبتعاد عن اللون الأسود، بل ناهيك أيضا عن ما إستمعنا اليه جميعا أثناء الطفولة من أغانى و ما قرئناه من قصص وما شاهدناه من أفلام بطلها رجل إتخذ من الأبيض لونا وسمة لدربه فى مواجهة شر قاتم السواد. و تعلمنا فى حصص الرسم بالمدرسة كذلك أن اللونان الأبيض والأسود هما أصل باقى الألوان، فلم تخلو علب الألوان ابدا من احداهما.

بالتالى كان من المنطقى أن يصبح إنضمامى ببرائة لا تخلو من سذاجة لجبهة الأبيض بما يمثلة من فضائل فى معركته الأبدية ضد شر الأسود و فساده هو بطولتى الخاصة و مهمتى الأخلاقية الكبرى فى عالمى الذى إعتقدت أن ملامحه  لن تختلف كثيرا عن عالم ما تشبعت به من حكايات.

لم أعترض يوما على وجود الأسود كحقيقة فلسفية أو كونية، الا أن الطفلة حينها لم تدرك الحقيقة كاملة .. لم تنتبه الى اللون الرمادى أبدا.

يا ليت العالم فى بساطة الأساطير أو قصص الأطفال و وضوح الوانها ..

فأين هم أبطالها ؟

أين أبطالها ؟

هل اُجبروا على الرحيل مخلفين فراغ ورائهم؟ أم إختاروا الرحيل ليحل الفراغ محلهم؟ هذا إن كان عالمنا قد عرف يوما ذلك النوع من الأبطال أصلا ..

إذن على اية حال فإن الفراغ بغيابهم هو ميراثنا .. فراغ خلو ورقة إجابتى من الرد على سؤال ساذج إصطدمنا جميعا به فى لحظة مبكرة من حياتنا: هل يصنف كل أبيض فى دنيانا كرمز ضعف، وكل أسود كإحتمال قوة، فى حين يُتَوَج الرمادى ملكا لا يتأقلم فقط مع ما يحيط به بل و يطوعه أيضا لإحراز النجاح و تحقيق المكاسب بأى ثمن؟

يمكن للأبيض هو الآخر بالطبع أن يتأقلم و يُطوع، لكنه لا يقدر على دفع كل ما هو مُدَوَن على قائمة الأسعار، كما أنه منبوذ فى حضرة ذلك الملك المُتَوَج وأحكامه الرمادية .. فينتهى الحال بالأبيض مُتأقلم مُجبَر، و ليس بطل مُطَوِع ..

و هكذا فإن غياب الإجابة على السؤال ليس لعدم أمتلاكها، و إنما فقط خوفا من رؤيتها واضحة صريحة من خلال ما يحمله تشابك النون بالعين و الميم من إثبات .. فأرضى بإدعاء فراغ ذهنى من الإجابة الصحيحة و أتقبل بروح رياضية اخفاقى المتعمد فى ملأ الفراغ المخصص لها .

دينا البسنلى.

كفانا الله و كفاكم الشر ..

يغمرنا الشوق و الحنين كثيرا لكل ما كان، بتحريض من كل ما هو كائن الآن .. و بالتالى يصعب علينا أحيانا أن نترك الفعل الماضى ” كان ” بحاله خاصة عند السعى للإستفادة من أخطاء و دروس الماضى، و فى إطار المبادرة بالنفخ فى الزبادى بعد تجارب الإحتراق بلهيب الشوربة بعد الشر .. كفانا الله و كفاكم الشر.

وقد ينتابك ذلك الحنين و الشعور بالشوق الجارف لزمن ولت أيامه عند قراءة صفحة الحوادث أو الصفحات المخصصة لأهم القضايا و أسخنها بصُحفنا اليومية .. أين ذهبت تلك الأيام حين كان التلاعب بالقانون و مواده هو أقصى ما يحتاجه المرء إذا عقد النية على إرتكاب جريمة ما ثم الإفلات من العقوبة عليها .. و إن حالفه سوء الحظ  و وقع تحت طائلة القانون، فإن الإستعانة بمحامى على دراية  بثغرات القانون و ذو خبرة فى المرور عبرها هو السبيل الوحيد لإخراج الجانى من مأزقه.

حقا لا يشعر المرء بقيمة ما يمتلكه الا عند ضياعه .. فاليوم نعيش زمن حتى إرتكاب الجرائم – خاصة أكبرها – و الإفلات من العقوبة عليها قد أصبح فرصة قد لا تُتاح سوى لأصحاب المال و النفوذ .. أين هو تكافؤ الفرص إذن؟ ماذا عن صغار المجرمين و حقهم فى إرتكاب جرائمهم و محاولة الإفلات من العقاب عليها كأقرانهم من علية القوم؟

لكن ملحوقة .. فأخبار الحوادث و القضايا الساخنة التى تقع بمصرنا المحروسة أصبحت مصدر للعديد من الحكم و العبر و الدروس المستفادة، عل و عسى أن يُمكن ذلك صغار المجرمين من اللحاق بما فاتهم من تطور فى عالم الجريمة.

..

طالعتنا الصحف الشهر الماضى بخبر ضابط  أمن الدولة السابق المُهدد ببتر قدمه كعاقبة لجرأته، حيث سبق  سائق سيارة فخمة على الطريق فى الدوران خلال آحدى الملفات .. سلوك الرجل أغضب صاحب السيارة الفخمة بالطبع فقرر الإنتقام منه لما إرتكبه من خطأ لا يُغتفر،  فتوصل لمعرفة عنوان الضابط السابق و إنتظره فى اليوم التالى أمام منزله مع إثنين من تابعيه .. ليتعرض الرجل الى ضرب مبرح منهم، و لم ينتهى الأمر عند ذلك الحد بل وصل الى محاولة دهسه بنفس السيارة الفخمة.

إكتشفنا أن صاحب ذات السيارة الفخمة هو نجل أحد أكبر رجال المال و الأعمال فى مصر. و فى محاولة لإنقاذ إبنه من السجن حاول رجل الأعمال إقناع الضحية بقبول أى تعويض مالي، و لما رفض المجنى عليه قرر الأب إستغلال نفوذه و ماله لتهريب إبنه الى الخارج .. و لا أدرى بالتحديد ما هو مصير السيارة الفخمة!!!

تمسُك المجنى عليه بحقه و عدم إستسلامه للإغراء المادى و موقف النيابة المصرية الواضح والتى وجهت للجانى تهمة الشروع فى القتل هى أمور إيجابية لا يستطيع أحد إنكارها.

وكما لا يمكن إنكار ما هو إيجابى فللسلبى ذات الحق أيضا .. فكيف يمكن أن نغض البصر عن إستهانة البعض بسُلطة القانون و مخالفتهم له و شروعهم فى إرتكاب جرائم بدم بارد إستنادا الى حصانة قد يوفرها لهم المال و النفوذ  وكأن يا دار ما دخلك شر!!!

لكن لعل الأفضل أن نغض البصر حتى لا نُتهم بمخالفة الشرع .. واياك عزيزى القارئ أن تُشكك فى القائل بأن الشر لم يدخل الدار، أو من أن تعتبر إهدار هيبة القانون أو إفقاده لقيمته شر .. هل أشم هنا رائحة محاولة – مجرد محاولة – للتلميح برغبة حقودة فى المساس بمالكى المال و السُلطة و السيارة الفخمة بعد الشر!!!

..

و بما أن الصحف و نشرات الأخبار و البرامج التليفزيونية لا تتوقف عن مطالعتنا بمثل تلك الأخبار، فقد طالعونا بالأتى .. شُبهة قضية فساد تتعلق بعقد بيع أراضى مشروع مدينتى السكنى، ثم إصدار حكم قضائى ببطلان العقد بما يؤكد على وقوع ذلك الفساد.

أتوقع عزيزى القارئ أنه لم تهتز لك حتى و لو شعرة واحدة بفعل المفاجأة أو الدهشة من الخبر حيث أعتدنا على الفساد و قضاياه  و ربنا ما يقطع لنا عادة، بل و أدعى أن جمهور وسائل الإعلام نتاج متابعته لأخبار قضايا الفساد إكتسب من المعرفة عنها ما يؤهله لإرتكاب بعضها إن أراد ذلك .. لكن ما أثار الدهشة حقا هو ذلك الحنان الذى تفجرت ينابيعه دون سابق إنذار بقلب الحكومة لتحاول بأقصى طاقتها البحث عن مخرج للأزمة  دون إجراء أى تحقيق فى الأمر لتحديد المسئولين عن إهدار مليارات الجنيهات من المال العام.

رأفة الحكومة بحال المستثمرين فى مشروع  مدينتى و حاجزي الوحدات السكنية به و حرصها على الحفاظ على حقهم هو أمر إيجابى لا يستطيع أحد إنكاره.

وبالطبع كما لا يمكن إنكار ما هو إيجابى فللسلبى ذات الحق أيضا .. فكيف يمكن أن نغض البصر عن الإلتفاف حول القانون من خلال الإتفاق على إعادة صياغة العقد بين الحكومة و الشركة المالكة للمشروع  دون معاقبة الفاسدين وكأن يا دار ما دخلك شر!!!

لكن لعل الأفضل أن نغض البصر حتى لا نُتهم بمخالفة الشرع .. واياك عزيزى القارئ أن تُشكك فى القائل بأن الشر لم يدخل الدار، أو من أن تعتبر إهدار هيبة القانون أو إفقاده لقيمته شر .. هل أشم هنا رائحة محاولة – مجرد محاولة – للتلميح برغبة حقودة فى المساس بمالكى المال و السُلطة و ناهبى أراضى الدولة بعد الشر!!!

و هكذا فإنى من موقعى هذا أطمئن السادة الفاسدين و مرتكبى الجرائم القادمين أنه فى حال إستمرار ما عهدناه من أداء حكومى مثير للدهشة و مع التراجع الأخلاقى القائم فى المجتمع سيستمر خفوت نجم القانون و قيمته بحياتنا و سيعتاد الجميع علي غياب تطبيقه بمرور الوقت، مع التأكيد على التلاشى التدريجى لمفهوم البحث عن مخرج قانونى لأى ضائقة غير قانونية .. فلماذا يبحث الجانى عن مخرج منها إن كان السياق العام المحيط بنا يدعوه  للدخول اليها بل و يرحب به أيضا؟ هذا إن كان سيصح حينها أن نعتبره جانى أصلا بعد الشر .. كفانا الله و كفاكم الشر.

دينا البسنلى

و عندك واحد شاى و صلحو .

قررت خوض المعركة .. تحمست و أعلنت بأننى حالا بالا سأصارع أسد إنما إيه متوحش، و هدفى كان أسمى من أن أخلى وشه شوارع، و أعتقدت حينها أن أقل ما أستحقه هو تصقيفة يا ناس ما يصحش .. لكن الأسد كان السبب وراء بقائى فى تلك الشوارع .. حيث طارت وظيفتى فى الهوا شاشى، و نُسب عملى و مجهودى الى غيرى و انت ما تدراشى، بل و نال هو لقب الجدع!!!

هذا ببساطه ملخص حكاية  تكررت مع إختلافات طفيفه بتفاصيل أحداثها لعشرات و ربما مئات ممن رفضوا التخلى عن مبادئهم، و لم يدروا حينها أنهم يُلقون هكذا بأنفسهم فى التهلكة وسيتحملون فيما بعد مسؤولية التكفيرعن ما إرتكبوه من إثم.

و لأن كل إنسان خطاء و خير الخطائين التوابين، وجب علي كل منهم التوبة .. ليس من ذنب خوض المعركة، و إنما من وزر عدم التخلى عن سذاجتهم حين قررو خوضها .. و إياك أن تبكى على اللبن المسكوب، الا تدرى أن البعض لا يشربه أصلا .. ماله الشاى!!!

وعندك واحد شاى و صلحوووووو

..

الإعلام فى بلادنا مجال يجب على العاملين فيه التوبة من السذاجة، بل فإن هذة التوبة فى حالتهم ليست محببة فقط و إنما هى فرض عليهم، و شرط التوبة هنا هو فهم كل ما يجرى و يدور و يصول و يجول. فمن الصعب أن تجد مجال لم تمتد له يدا الفساد و التسيب بعد، هذا إن لم يكن قد إفترسوه بالفعل.

كل هذا معلوم بالطبع للجميع أى أننى ما جبتش الديب من ديله يعنى. و إنطلاقا من قاعدة أنتم السابقون و نحن اللاحقون فلابد من ذكر الإعلام كأحد أهم المرشحين و بشدة للحاق بكل مؤسسة مغفور لها راحت ضحية للفساد و التسيب.

هل أطلب قهوة على روح المرحوم أم .. ؟

وعندك واحد شاى و صلحوووووو

..

مئات ممن يطلقون على أنفسهم أو يطلق عليهم الآخرون لقب إعلامى لا يمثل لهم الإعلام بكل أشكاله سوى مغارة على بابا .. كل ما يشغل بالهم هو ما تخفيه من كنوز المال و السلطة و النفوذ، و الوصول للمال و السلطة و النفوذ يشترط فتح باب المغارة، و لفتح باب المغارة أنت تحتاج لكلمة السر، وكلمة السر فى بلادنا ليست بسر .. عليك و الحكومة، و التغنى بمحاسن الحكومة، و رجاحة عقل مسؤولى الحكومة، و خفة ظل الحكومة .. و لا تحتاج بالتأكيد أن أوصيك خير بالحزب الوطنى، و أعضائه، و سياساته، و خططه، وأنا، و إنت، و رقصنى يا جدع.

يتعفف البعض عن الرقص مع الجدع و يرفضون الإنسياق وراء زملائهم المتغنون بجمال عيون النظام، و يكتسب هؤلاء إحترام و حب ملايين من الناس، لكن الناس مش عارفة اللى فيها.

أعرف أن الله أعلم بالنيات، لكن ما لا أعرفه بالتحديد هو ما إذا كان الإقتراب من عالم بعض نجوم الإعلام و معرفة ما يحدث فى كواليسه هو من حسن أم من سوء الحظ. حيث تكتشف أن هجوم البعض لم يكن يوما بدافع وطنى و بتحريض من الضمير أو حتى بفعل الشعور بالحموضة أو الإنتفاخ من الحكومة و قراراتها، بل سعيا فقط خلف مزيد من السخونة لإجتذاب المزيد من المُعلنين و دُمتم .. أى أن بعض أبطالنا يرتدون زى الرجل الوطواط أو العنكبوت أو حتى الأخطبوت و يشنون هجوم مكثف على كل ما هو رسمى أو حكومى سعيا أيضا خلف الثروة، لكن الفارق الوحيد هو أنهم إختارو لأنفسهم طريق آخر لفتح باب مغارة على بابا .. أصلها هتتفتح يعنى هتتفتح هو على بابا كان أحسن منهم فى إيه يعنى .. كل ما يحتاجه المرء هو فقط مزيد من الشاى للتركيز و من ثم التوصل لكل وسائل فتح باب المغارة.

و عندك واحد شاى و صلحوووووو

..

يبدو أننى لم أكن مدركة لقيمة الشاى الحقيقية من قبل. على الأقل إنه  لأمر يدعو للتفائل أن تجد من يسعى لتصليح أى شئ بحياتنا حتى و إن كان كوب من الشاى.

لكن لا .. لن أسمح للشاى و مسألة صلحو تلك بأن تشغل أى حيز فى بالى .. لنكمل إذن طقوس التوبة من ذنب السذاجة و يكفى بالى ما تشبع به من مسلسلات و برامج خلال شهر رمضان.

قرأت والله أعلم أن إنتاج مسلسلات الشهر الكريم تكلف وحده ملايين الجنيهات. لم أثق فى رقم بعينه، الا أنه بشكل عام يتراوح ما بين 500 الى 800 مليون جنيه.

لابد و أنك تؤنب نفسك الآن لعدم التوجه للتمثيل أو تقديم البرامج، و تتسائل لماذا لم تفكر من قبل فى الوقوف أمام المرآة للبحث عن موهبة مختفية هنا أو هناك معتقدا أن كل ما كنت ستحتاجه حينها هو بطولة من مسلسلين الى ثلاثة على الأكثر أو تقديم برنامج ساخن و تبقى كده كونت نفسك و ضمنت مستقبلك يا عم، لكن الوصول لكلمة سر باب المغارة فى تلك الحالة يزداد صعوبة بل و يحتاج لمعرفة شخصية بالأربعين حرامى، و من يقول لك غير ذلك يبقى بيضحك عليك.

ما يُهمنا كمشاهدين و ليس كموهوبين أو موهومين هو الإنجاز المصرى.

بشرى سارة يا مصريين .. بغض النظر عن أن البعض يصعب عليهم إيجاد قوت يومهم، و بغض النظرعن ما نعيشه من دراما إنسانية، نجحت مصر فى تحقيق الإكتفاء الذاتى من البرامج والدراما التليفزيونية .. و إن كنت لم  تلحظ ذلك الإنجاز فهذا لأنك ببساطة تنظر للنصف الفارغ من الكوب بالرغم من أن نصفه الآخر ممتلئ بالشاى. هل أطلب لك كوب أخر؟

و عندك واحد شاى و صلحوووووو

..

إذن فتح عينيك تاكل ملبن .. فلن يستغرق الأمر سوى وقت قصير لتكتشف المُدعيين و تتعرف على الفاسدين بنفسك. إقترب أكثر كى تفهم، لكن تجنبهم و لا تنخرط معهم فى الاعيبهم. إستمر فى أداء عملك و إكتساب مزيد من الخبرة لأن هذا ما سيشفع لك و يحمى ظهرك إذ واجهتهم، و لا تستسلم إن لحقت بك الهزيمة فى الجولة الأولى .. علقة تفوت ولا حد يموت.

و فى إنتظار العلقة التالية إستمر فى متابعة المسلسلات و مشاهدة البرامج و إستمتع بكوب الشاى و صلحو.

..

دينا البسنلى

النور لسه مجاش .

اسمه مواطن. وُلد و تربى و ترعرع فى مصر. مهنته مواطن، و لا يعرف دونها مهنة آخرى له. يقع مسكنه فى الشارع اللى على ناصيته الكُشك، و لا داعى من معرفة كم يبلغ من العمر أصلها مش فارقة كتير .. و إسمحوا لى برواية حكايته.

..

فى يوم ليس ببعيد من أيام شهر رمضان و بينما كان مواطن جالسا فى غرفة المعيشة بمنزله المتواضع بعد الإنتهاء من تناول الإفطار، إنقطع التيار الكهربى ليغرق الشارع الذى يقطنه فى ظلام دامس.

بائت محاولات مواطن الحثيثة بالإتصال بخدمة شكاوى الكهرباء بالفشل، حيث تنوع ما أحرزه من نتائج ما بين : “الهاتف الذى طلبته مرفوع مؤقتا من الخدمة” و “هذا الرقم غير موجود بالخدمة” و”عفوا لا حياة لمن تنادى” .

و عندما إستقبلت أذنه عبر الهاتف صوت آحد الموظفين، قاوم مواطن رغبة ملحة فى البكاء من الفرحة لإطمئنان قلبه أخيرا على صحة الخدمة و حياة من ينادى و سلامة كليهما من كل شر.

و بينما كان يستجمع قوته للحديث تلقى الرد .. “نعمل إيه يا باشا أصل الضغط عالى .. اصبر علينا بس عشرة دقائق” .. و صِبر الباشا.

وَسط ظلام يُخفف سواده عدد من الشموع و يخلو من مُؤانسة التليفزيون لم يجد مواطن فى النهاية مفر من التأمل فى ما آلت اليه أحوال البلاد و شؤون العباد، و هو الأمر الذى يسعى مواطن بإستمرار لتجنبه خوفا من الإصابة بأنيميا الجهاز العصبى أو إلتهاب حاد فى حالته النفسية أو روماتيزم مزمن بقواه العقلية، مفضلا عنهم جميعا غيبوبة العقل والقلب .. لكن مُجبر أخاك لا بطل .

وبدأ أستاذ مُجبر تأمله بحمد الله على نعمة إنقطاع الكهرباء  لما يقرب الساعتين يوميا .. ليس بدافع إيماني أو روحاني فى الشهر الفضيل، و إنما لأنه مش هيتبطر على النعمة يعنى .. فلو كان من سكان أية محافظة أو مدينة أخرى سوى القاهرة لكان من ضحايا الإنقطاع لعدد أطول من الساعات ..

و هكذا حَمد مواطن ربه و شَكره، ثم دعى لمعالى السيد طويل العمر بالمزيد من طول العمر و زهزة العصر و النصره على من يعاديه .. أما بعد ..

بدأ الندم يتسرب الى نفس مواطن تدريجيا – ليس لما تمناه منذ لحظات للسيد طويل العمر حاشَ لله .. متودونيش فى داهية – و إنما لمحاولات الإتصال بشكاوى الكهرباء.

لماذا يُحمل نفسه عبء الإتصال بينما هو يعلم جيدا الشعار الخفى و المُعلن فى أن واحد الذى يرفعه نظامنا الحاكم فى حالات تهور البعض بإنتقاده، و السياسة التى تتبعها حكومتنا الرشيدة و تتقن تطبيقها اذا نشبت رغبة غير محمودة العواقب بالإعتراض على قراراتها الحكيمة .. سياسة : إخبط رأسك فى الحيط سيدى المواطن، و شعار : عزيزى مواطن إشرب من البحر.

نظرا لفيض كرم حكومتنا زودنا أولىِ الأمرببديل فى حالة القلق من الإصابة بأية كدمات لا قدر الله نظرا للإرتطام بالحائط .. البديل هو الشرب من البحر. أما الأزمة الحقيقة فقد يواجهها حقا لو كان يعانى من أية أمراض فى الكلى و لا يقدر على تحمل درجة الملوحة المرتفعة لمياه البحر أو حتى إن كان من هؤلاء المُرفهين من مفضلى شرب المياه العذبة.

تعجب مواطن مما يحيط به من خطوط ساخنة من المفترض أنها مخصصة لتلقى الشكاوى و تهدئة الناس، الا أنها على العكس تبدد بسخونتها المزعومة كل نسمات الهواء فى مجتمع آخر ما ينقصه هو التوتر والسخونة !!!

إزدات الرؤية وضوحا فى عينى مواطن . تسعى الحكومة بالفعل للتنازل و التضحية والتكرم والتفضل والتبرع بتوفير حرية الإعتراض له و لزملائه فى الكفاح من فصيلة المواطنين، و فى المقابل تتمتع هى حصريا بحرية التصرف إن كان عاجب .. و إن لم يكن عاجب لن يجد فى مواجهته سوى البحر و من خلفه ايه ؟؟؟ .. مفيش غيره .. الحائط .

و فجأة تسرب الى نفس مواطن خجل مجهول المصدر .. كيف يرغب فى التمتع وحده بالحرية بينما يستكثرها على حكومته !!! أهكذا يرد لها الجميل ؟؟؟ فهى تدفعه للأمام بإستمرار نحو البحر بنسماته العليلة و تؤمن ظهره بالحوائط دائما حرصا على سلامته !!!

..

خلال أقل من ساعة من الزمن زادت سخونة نقاش مواطن مع نفسه .. لينتقل الى المرحلة التالية : الإنفصام و الحديث الي نفسه جهرا .. و تتحقق هكذا مخاوفه بالفعل .. أنيميا الجهاز العصبى و إلتهاب الحالة النفسية و روماتيزم قواه العقلية.

قل لى يا واد يا مواطن بينى و بينك كده يعنى .. عند رفضك لقرار الحكومة المُشين بتصديرها الغاز لإسرائيل، و عندما إنتقدت على صفحات الجرائد و إعترضت على شاشات التليفزيون و هتفت بأعلى صوتك أمام النقابات و بالميادين .. ماذا حدث فيما بعد ؟؟؟

لا تخجل منى وأخبرنى عن إختيارك ؟؟؟

أكان الحائط أم فضلت البحر ؟؟؟

و لما توجهت لساحات المحاكم المصرية والتى أنصفتك و أصدرت حكم قضائى واجب النفاذ منذ بضعة شهور بوقف هذا التفريط المُهين، ماذا حدث بعدها ؟؟؟ الحائط أم البحر؟؟؟

إعترف أحسنلك الإنكار مش هيفيدك .. الحائط أم البحر يا مواطن ؟؟؟

لام مواطن نفسه. لقد رفض و إعترض و حاول بالفعل إيقاف تلك المسرحية الهزلية، لكن ما تصدير الغاز لإسرائيل و ما يعنيه من دعم لها على حساب الفلسطينيين و تفريط ثروات المصريين و إهانة لهم و ما ترتب عليه فيما بعد من ظلام بيوتهم سوى واحد من عشرات العروض المسرحية المستمرة لذات البطل و حكومته .. عفوا أقصد فرقته.

لقد إنشغل مواطن بالفرع  و ترك الجذور .. إنتبه للصورة و أهمل الأصل . هو لم يهدم الحائط و لم يعبر البحر من أصله .. والا من أين له بهذا الظلام المُحيطُ به الآن ؟؟؟

..

رفع مواطن يده للسماء و توجه لها بالدعاء ..

أعوذ بك يا الله من شر الحوائط و إرتطام الرؤوس بها و اللهم أنصرنا عليها .. و أسألك ربى بحق بركة الشهر الكريم أن يسأم المصريون من ملوحة مياه البحر و يكُفون عن شربها .. اللهم أمين .

..

لم تنتهى حكاية مواطن بعد، لكن هذا هو كل ما إستطعت كتابته .. أصل النور لسه مجاش !!!

دينا البسنلى.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.